Header
الأسلوب الوقائي  

 

أسلوب دون بوسكو التربوي
 
روحانيّة دون بوسكو قائمة على شعاره: "أعطني النفوس وخذ الباقي". فهي روحانيّة رسوليّة تهدف الى الاقتداء بالمسيح الراعي الصالح الذي يعرف خرافه ويبذل نفسه في سبيلها.
كما كان يسوع علامة حبّ الآب وأداته، فكذلك كشف دون بوسكو للشباب مدى محبّة الله لهم من خلال خدمته خدمة شاملة لا تضنى: "وعدتكم بأن أكون لكم حتى رَمَقي الأخير".
لتحقيق شعاره واستناداً الى خبرته الواسعة الطويلة مع الشباب، وضع أسلوباً تربويّاً أسماه "الأسلوب الوقائي" وهو قائم على العقل والدين والمحبّة، وذلك من خلال الإشراف، أي الحضور التربوي بين الشبيبة.
 
الاسلوب الوقائي في نظر دون بوسكو أسلوب تربويّ وروحانية في آن. إذ إنّه عطاء مجّانيّ يستوحي محبّة الله وهو يقي الخليقة بعنايته ويهديها ويشجّعها بحضوره ويخلّصها ببذل حياته. فهو اذاً طريقة عمليّة للبلوغ الى القداسة.
 
العقل
 
كان دون بوسكو على درجة عالية من الذكاء، فاستعمل ذكاءه أحسن استعمال في إنجاز المشاريع الضخمة التي قام بها. ولم يكن يجهل ما للعقل من قدرة على خلق شخصية الإنسان وحياته ومستقبله لا بل وأبديته أيضا. إنّ حدّة ذكائه جعلته ينفر من اللامعقول، من أوامر أو مواقف لا مبرّر لها، فلم يفرض على طلاّبه أمرا ما دون إقناعهم به، حتى وصل بهم إلى أن يرغبوا في ما يرغبه هو ويعملوا ما يريده هو.
إنّ التركيز على القوى العقلية في الإنسان يخلق منه شخصا واعيا قادرا على فهم القيم واختيار الأحسن. كان دون بوسكو يكرّر مرارًا هذا المبدأ: "إنّ الإنسان الذي خُلِق على صورة الله يشتاق باستمرار إلى السعادة، لا يستطيع الحصول عليها إلاّ بالحرّية. وأين له الاستعمال السليم لحرّيته إن لم يكن عن طريق عقل مستنير بالقيم والفضائل؟" بكلمات أخرى نستطيع القول إنّ سعادة الإنسان متوقّفة على درجة وعيه في التفكير وفهمه لخيره الأسمى.
هذا هو عمل التربية: أن نصل بالشباب إلى اختبار شخصي عميق لإمكانياتهم الداخلية، وفي الوقت نفسه نقدّم لهم في شخصنا صورة الإنسان الذي تحرّر وباستطاعته المساعدة في تحرير غيره.
ما كان دون بوسكو ليرغم طبيعة الفتى على القفز في مراحل النمو، بل كان يصبر ويترقّب مقدّمًا الوسائل الكافية لهذا النضج. فجاءت قوانين معاهده مزوّدة بالتوجيهات اللازمة لبلوغ هذه الأهداف.
 
الدين
 
قبل أن يكون الدين عنصرًا هامّا في أسلوب دون بوسكو التربوي، كان من مكوّنات شخصيته.   لقد أحسّ يوحنا بوسكو منذ سنواته الأولى أنّ الله يدعوه لتربية الشبيبة. وأصبح شغله الشاغل البحث عن النفوس لخلاصها من الهلاك وتوصيلها إلى الله. من هنا شعاره الذي يدلّ على همّته الدائبة: "أعطني النفوس وخذ الباقي". إنّ زياراته المتواصلة للسجون زادته يقينًا بضرورة العناية بهؤلاء الشبان ووقايتهم من الشرّ قبل الوقوع فيه، وذلك عن طريق تلقين المبادئ الدينية.
إنّ من يقرأ حياة دون بوسكو وكتاباته يلاحظ فورًا أنّ الديانة بالنسبة له هي في آن واحد وسيلة وغاية للتربية. إنّ خبرته مع الشباب جعلته يؤكّد مرارا: "لا فرح حقيقي إلاّ ذاك الذي ينبع من ضمير صافٍ حيّ متصالح مع الله والقريب".
ولم يخشَ ولم يتراجع دون بوسكو عن تقديم القداسة كهدف أخير لعمله التربوي واستطاع أن يخلق في أبنائه الاقتناع واليقين أن القداسة أمر سهل، أمر ضروري وفي متناول كلّ واحد يريد ذلك، المهمّ إتمام جميع الواجبات على أحسن وجه وحبًا بالله. دومينيكو سافيو، ثمرة هذا المجهود، فهم جيّدًا روح أبيه الروحي حتّى راح يقول لزملائه: "نحن هنا نقدّس أنفسنا بالفرح الدائم".
لم يتأخّر دون بوسكو في إيجاد الكثير من الوسائل لتعميق المفاهيم الدينية وخلق خبرة روحية لدى الشباب، فكانت مواعظه ومواعظ من يدعوهم إلى المعهد ترمي إلى توطيد الإيمان في قلوب الشبان، لا سيما حصص الدين كان يوليها أهمّية كبرى. كذلك الاحتفال بالأعياد الدينية على مدار السنة وتهيئتها وإشراك الشباب بكلّ ما كان يقال ويُعمَل. كلّ هذا كان كافيًا ليثير في الشباب حبّا وشغفا للاقتراب من الأسرار المقدسة: الاعتراف والتناول.
كذلك إعداد الفتيان للمناولة الإعداد الحسن يجعلهم يَقِظِين على أعمالهم وأفكارهم وأقوالهم، يقرّبهم من الله ويسكن المسيح فيهم. وكم من أهمّية أعطاها دون بوسكو لمريم العذراء. فلقد كان واثقًا أنّها بإمكانها أن تعطي أولاده الأمان بأنّ هناك أمّ ترعاهم. وهي المثال الأعلى يحتذون به في ممارسة الفضيلة عامّة والعفّة بصورة خاصّة.
 
المودّة
 
المربّي بالنسبة لتلاميذه هو الوسيط بين قلب الله وقلب كلّ واحد من تلاميذه. محبّته لهم هي صورة من محبّة الله لأبنائه الصغار وتعبير عنها.
المربّي هو إنسان كرّس حياته للشبيبة، وليس من تكريس من دون حبّ صادق، إنساني بكلّ معنى الكلمة، وإلهيّ لأنّه يستقي من قلب الله ذاته. فقط بالمودّة الصادقة يمكن الوصول إلى الأهداف التربوية الكبرى. عبّر دون بوسكو عن هذه الحقيقة يوم قال: "أحبّوا ما يحبّه الشباب، يحبّون ما تحبّونه أنتم". هكذا يصبح المربّي الصديق المستعدّ دائما لسماع أولاده، للجلوس معهم، لمشاركتهم الحياة ، ليملي عليهم بأسلوب أبويّ بسيط، القيم، المبادئ والمشاعر النبيلة التي تليق بإنسان هو أعزّ أبناء الله.
صفات المودّة في أسلوبنا التربوي هي:
شاملة: التربية هي علاقة بين شخصين: شخص الفتى وشخص المربّي. تؤخَذ بعين الاعتبار شخصية الفتى بكلّ جوانبها دون إفلات ناحية من نواحيها كالميول والرغبات، الفشل والضعف، كلّه يدخل في حوار الصداقة الذي ينشأ بين اثنين، لينمو الشابّ متكاملا سويًا في عقله وفي علاقاته مع الآخرين.
عميقة وعائلية: بلغت مودّة دون بوسكو لأولاده حدّا لم يعُد بوسعهم سوى أن يدعوها عائلية . كان يشعر أنّهم أولاده وكانوا يشعرون أنّه أبوهم. مشهورة كلمته لمعاونيه: "لا يكفي أن تحبّوا الشباب، يجب أن يشعروا بهذه المحبّة". وفي رسالة بعثها من روما إلى أولاده يقول: "لقد سلبتم قلبي…لربّما تجدون مؤلّفين ومعلّمين أحسن منّي لكن لن تجدوا من يحبّكم أكثر منّي ويريد سعادتكم". ولذلك من الأفضل أن يُقفَل معهد منه أن يبقى قائما دون هذه الروح العائلية.
واقعية: مودّة خالية من التصنّع، قائمة على اقتناع العقل لا على العاطفة أو الميول الحسّية وحسب. فتترك مجالا حتى للفتى الفقير، الضعيف، القليل الجاذبية… كلّ هذه اعتبارات تزيد من المودّة لا تضعفها. حبّ عاقل يساعد الفتى على الوصول إلى الجوهر، إلى خلاصة الأمور فيفهم بسرعة ما يُطلَب منه وإلى أين هو متّجه.
ملتزمة: يُعطَى الفتى كلّ ما يحتاج إليه من تفاهم وعطف، كما يُطلَب منه أيضا التجاوب واحترام نظام المعهد والطاعة لمربّيه. وقد يُبعَد عن المعهد نهائيا فتى لم يستطع التأقلم مع هذا الجوّ. إنّ وسائل التأديب والتوجيه عديدة، منها: الكلمة الفردية في أذن الفتى، الأحاديث الشخصية، المواعظ الجماعية، كلمة قبل النوم. أمّا في ما يتعلّق بالعقاب، فكلّ ما نستطيع قوله إنّ دون بوسكو عرف كيف يدخل إلى قلب كلّ من أولاده وجعل العقاب والجزاء عملية محبّة تُعطَى أو تُحْجَب حسب استحقاق الفتى لها أم لا.
متفانية: المربّي المكّرس ينسى ذاته، أن يعطي وقته وجهده وقدرته العقلية والعاطفية للشباب، حينئذ يصبح لهم أبًا.
عاش دون بوسكو مع أولاده ومن أجلهم فقط وببساطة لا حدّ لها صارحهم بما يجول في قلبه: "أولادي الأعزاء، أنتم تعرفون جيدا كم أحبّكم وكيف كرّست حياتي لأفعل لكم أكبر خير ممكن. ثقافتي، خبرتي، كلّ ما أنا عليه وما أعرفه وما أملكه من صلاة وأتعاب وصحّة وحياتي نفسها، كلّ شيء أريد أن أخضعه لخدمتكم. في أيّ يوم أو في أي ظرف من حياتكم اعتمدوا عليّ. أريد أن أقول لكم إنّي لن أحتجز شيئا لنفسي". وفي مجال آخر: " ليكن واضحا لديكم أّنّي بكلّيتي لكم: ليل نهار، صبح مساء، في كلّ لحظة. ليس بي هدف سوى خيركم الأعظم وسلامتكم الروحية والمادّية. ولكن كي أنجح في هذا لا بدّ لي من مساعدتكم. حينئذ ثقوا أنّنا سنفعل أمورا عظيمة".
وما هي تلك الأمور العظيمة، يا تُرَى؟ هي جيل جديد، شباب ناضج وجد في مربّيه القدوة والحبّ، فراح ينمو و يكبر حتى يبلغ مقياس "الإنسان الكامل" في عقله وصحّته وفضيلته.
 
الإشراف
 
قال دون بوسكو في تقديمه لأسلوبه التربوي إنّ هذا الأسلوب ينجح إذا كان المربّي حاضرا دائما بين طلابه. ولكن أيّ حضور؟ شرطي مرور؟ حارس، مفتّش؟ لا شيء من هذا كلّه. إنّه حضور صديق يشتاق التواجد مع أصدقائه وهم يرغبون ويطلبون وجوده دائما، يتمشّى في وسطهم طالبا هذا وذاك؛ يشجّع، يذكّر بمقصد ما، يحثّ على التقدّم إلى الأمام، كلّ هذا بوجه بشوش مرح وعينين يقظتين تلمحان كلّ شيء.
كتب دون بوسكو لمدير في إحدى معاهده: "امضِ مع الشباب أكبر كمّية ممكنة من الوقت". وعلى المربّي ألاّ يتعب أو يملّ من هذا الحضور بل يجدّده باستمرار واثقا أنّه السبيل إلى الثقة والتعاون مع الشاب في تربيته.
والإشراف حسب روح دون بوسكو هو استقبال: ترحيب بكلّ فتى كما هو، دون النظر إلى عيوبه، وإنّما قبوله كإنسان قابل للنموّ. حينئذ يبدأ ما نسميّه حوار الصداقة، حوار الحياة.
يشعر الفتى بضرورة مقابلته مع إنسان أكبر منه، عاش المراحل التي يعيشها هو الآن، قادر على فهمه ومساعدته وتوجيهه في الحياة. ولا يخفى علينا الدور الذي يلعبه الإنسان الناضج في حياة المراهق، فهو يبحث باستمرار عن نموذج مثالي يحتذى به. والمربّي أكثر ما يصلح ليكون المثال والقدوة، على أن يمنح ثقته للطالب، يشعره بحبّه وبقيمته العظيمة لديه تابعا كلام دون بوسكو: "أعطوا الثقة، تنالوا الثقة".
قيل عن دون بوسكو إنّه كان فاتحاً عظيماً، يقتحم القلوب بوداعته وطيبته اليومية التي ما كانت تعرف الملل، لا ينظر إلى أولاده من بعيد بل يعيش معهم وفي وسطهم.
بإمكاننا أن نوجز أسلوب دون بوسكو بكلمة الفرح، إنّه نابع عن اطمئنان داخلي، عن ثقة بأنّ كلّ الذين يحيطون بالفتى يحبّونه حقّاً ولا يريدون له سوى النجاح والنموّ. إنّه فرح نابع أوّلاً وأخيراً من نعمة الله التي ملأت قلب الفتى: "لنُظهِر للعالم كم بإمكاننا أن نكون فرحين بالنفس والجسد، دون أن نُهين الله". غذّى دون بوسكو الفرح في معاهده بعدد لا يحصى من الأنشطة: رحلات، حفلات، رياضة، موسيقى، لثقته أنّ هذه الأمور بينما تبعث الفرح في قلوب الشباب تشغلهم في الوقت نفسه عن الشرّ وتسهّل عليهم التقرّب من الله بالتقوى والمحبّة.
 
  
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع مدرسة دون بوسكو - الناصرة © | 2016 تصميم وبناء  شدافنة كمبيوتر م.ض